عربي

شيئ من التاريخ

تمثل قرية الملم كيلا بهذا الاسم احدي الحواضر الكبيرة التي نشأت في منطقة شرق جبل مرة في عهد سلطنة دارفور الاسلامية وتّجمعت فيه مكونات قبلية متنوعة امتدت على طول أرجاء المنطقة لتحتل مكانها بين العناصر البشرية التى تقطن اقليم دارفور. فالملم كما يعنى الاسم قرية تشكل خارطة اثنية مصغرة لكل سكان دارفور وألوانا اثنية أخرى من السودان القديم والتي وجدت فى الملم مستقرا آمنا لتتجمع وتنصهر فيه . وقد حرص العمدة أدم مكي جبريل وابنه العمدة ابراهيم ادم مكي أن يجعلا من قبيلة البني منصور التي ينتميان اليها وعاءا جامعاً يضم في داخله العديد من الروافد القبلية التي تشكل مجتمع الملم اليوم . وهذا هو ما أهّل الملم في السابق وفي كثير من الحقب والازمات أن يلعب دور الوسيط المحايد بين المجموعات المتنازعة في دارفور .

التكوين الجغرافى للقرية

تحمل القرية اسمين هما “الملم” أو “الملم كيلا” وهى تتكون من:

*  الملم القرية الكبيرة والتى تحظى بنوع من مظاهر الحياة الحضرية المتمثلة فى وجود عدد من المدارس وشفخانة لتقديم الرعاية الصحية الأولية وسوق يمد القرية والقرى المجاورة بالحاجات الضرورية.

* كيلا وهى القرية الأم  وقد بزغت الى الوجود في وقت مبكر من عمر السلطنة وكانت واحدة من كبريات الحواضر في شرق جبل مرة ما جعلها قبلة يؤمها الكثيروين من شتى المناطق في ذلك الوقت ولعل مدلول اسمها بلهجة الفور يدل على ذلك فأسمها معناه : وصلنا أي جئنا أي قدمنا, كناية عن طيب المكان والاقامة فيه .

ولمّا كانت السلطة المركزية للسلطنة تتمحور في منطقة جبل مرة وما حولها , فقد نشأت كيلا ومناطق حضرية أخرى ضمن خطة وسياية قُصد منها تأمين نواحي السلطنة ضد المطامع والغارات التي كانت تتعرض لها , فكان أن أستقر في كيلا الامير يحي بن أحمد بكر أحد أخوة مجموعة السلاطين الذين حكموا دارفور من أبناء السلطان أحمد بكر والجد المباشر للسلطان علي دينار لامه وبذلك فانّ عمركيلا يناهز ثلاثمائة وخمسين عاماً تقريبا ً.

إستقر الأمير يحي وعائلته واتباعه في كيلا التي بلغت شأوا عظيما ونالت قدرا كبيرا من الاحترام وخاصة على عهد السلطان علي دينار لدرجة أن المسافرين الذين يعبرونها كانوا يتّرجلون عن الدواب والرواحل عندما يصلون التخوم فيمشون على الارجل ويكّفون عن الحديث الاّ للضرورة حتى يتم عبورها بمسافة . وقد درج السلطان علي دينار على اقامة (حولية) سنوية لتلاوة القرآن والدعاء على روح جده يحيى المدفون في( كيلا القبة ) .

هذا وقد ظلت كيلا مقاما لعشيرة السلطان علي دينار وعائلته والكثير من الاسر العريقة التي انتقلت فيما بعد الي مدن الفاشر ونيالا وكاس وزالنجىي . وقد ترعرع لدى أخواله  في كيلا وشبّ عن الطوق  العمدة آدم مكى جبريل والذى نزل فيما بعد  الي الوادى شرقاً ليؤسس قرية الملم  ويتولى عمودية البني منصو حتى وفاته ليتوارث ابناؤه العمودية من بعده حتى  تاريخ اليوم.

* تربة وتقع شمال الملم وهى ترتبط بشريا واقتصاديا بالملم كيلا.

 * ام داشو وهى البوابة الشرقية للملم.

الحياة فى المنطقة

قبل الحرب كانت الحياة فى هذه المنطقة مثالا للتعايش فالملم القرية الكبيرة ترقد بين ثلاث قري  تمثل أهم روافدها البشرية والاقتصادية والزراعية وذلك جعل القرى الأربعة مرتبطة بمصير واحد فى كل الجوانب. بل تحولت القرية الكبيرة الملم الى مركزاقتصادى جذب التجار والمستثمرين من قرى ومدن أكبر منها. فسوق الملم الذى يفتح مرة واحدة فى الأسبوع وهو السبت يتقاطر اليه التجار من نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور والفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور وشرق جبل مرة وتتدفق فيه كل محاصيل جبل مرة اضافة الى السلع الآتية من قرية مرشنج المجاورة ومناطق شنقلى طوباى بجانب تدفق الماشية من الرعاة المحيطين بالمنطقة. فكان لهذه الحركة التجارية دور كبير فى انعاش مواطنى القرى المكملة للملم وهى كيلا وتربة وأم داشو.

تشكل القرية أيضا مستقرا موسميا للقبائل الرعوية فى المنطقة فى فصل الخريف خاصة قبائل “الأبالة” رعاة الابل وكذلك البقارة “رعاة البقر” حيث تتحول القرية فى فصل الخريف الى منطقة مترامية الأطراف عبر تجمع “فرقان” الرعاة وهو الأمر الذى أضاف للقرية عنصرين هامين الأول هو كثافة النشاط التجارى فى فصل الخريف والثانى هو ثراء التنوع البشرى عبر وجود القبائل العربية الرعوية حينا  من الحول فى القرية وهو فصل الخريف .

بعد الحرب

عند اندلاع الحرب فى دارفور كانت أجنحة القرية ” كيلا – تربة – أم داشو” هدفا أساسيا لعمليات المليشيات والجماعات المسلحة وكانت النتيجة مقتل المئات من سكان القرى الثلاثة بل امتد القتل الى داخل القرية الأم “الملم” ومات المئات من سكان القرية لتكون المحصلة كالآتى:

* مغادرة كل الأحياء من سكان قرية كيلا واستقرارهم فى معسكرات فى نيالا عاصمة جنوب دارفور اضافة الى استقرار عدد آخر منهم فى قرية “مرشنج” المجاورة.

* مغادرة كل الأحياء من سكان  قرية تربة واستقرارهم فى معسكرات فى الفاشر عاصمة شمال دارفور ونيالا عاصمة جنوب دارفور.

* مغادرة بعض سكان الملم واستقرارهم فى معسكرات فى مدينة نيالا.

 حقيقة مهمة

تشهد قرية الملم بأجنحتها “كيلا – تربة – أم داشو” تنوعا عرقيا كبيرا يجمع كل قبائل السودان تقريبا. وقد ظل هذا التنوع متناغما بل انصهر مشكلا رباطا اجتماعيا تستحيل الحياة  فى المنطقة دون المحافظة عليه. لقد أسهمت الحرب  فى خلق تصدع فى المنطقة أثر كبيرا على تماسك رباطها الاجتماعى.

المبادرة الأولى

فى سبتمبر 2010  قمنا بزيارة السودان فوجدنا رغبة كبيرة من سكان المنطقة لمحاولة اعادة تمتين الوئام الاجتماعى. عقدنا عددا من الاجتماعات مع سكان المنطقة فى العاصمة السودانية الخرطوم ولمسنا من خلال الاجتماعات استعدادا من قبل الجميع للدخول فى ترتيبات تعيد المنطقة الى حياتها الطبيعية قبل الحرب. كما اجتمعنا بمحافظى منطقتى الملم ومرشنج ولمسنا فيهما أيضا تحمسا كبيرا  لمشروع الوائام الاجتماعى وعودة النازحين الى مناطقهم والتزما من جانبهما ببذل كل ما تسعه قدراتهما التنفيذية لضمان نجاح مشروع الوئام والعودة. وهنا لابد من الأقرار بالدور الكبير الذى قام به فى تلك المرحلة المحافظ السابق للملم الدكتور محمد آدم ونائبه الأستاذ عبالله اسحاق فقد شددا على ضرورة بدء المبادرة .  وتم تحديد سبتمبر 2011  كموعد لبدء التحرك العملى.

المبادرة الثانية

فى أكتوبر 2011 قمنا بزيارة المنطقة  وعقدنا فى مدينة نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور اجتماعات منفصلة مع كل الأطراف بهدف تقريب وجهات النظر. قادت سلسلة الإجتماعات الى اجتماع مشترك تم عقده فى صالة شموس بمدينة نيالا تم فيه اعلان الوفاق والصلح وتم تشكيل مجموعة عمل لوضع مشاريع اعادة بناء المنطقة وتطورت أساليب العمل فتم تشكيل مجلس أمناء وهيئة استشارية حوت عددا من الخبراء وتم تشكيل منظمة باسم المنطقة فى الولايات المتحدة الأميريكية تحمل فرعا فى مدينة نيالا يسمى ” الملم كيلا ” وهى المنظمة التى تعمل الآن على تنفيذ مشاريع اعادة بناء المنطقة وتنميتها.

2 Comments on “عربي

  1. تمويل

    Simply want to say your article is as surprising. The clearness in your post
    is just great and i can assume you’re an expert on this subject.

    Well with your permission let me to grab your feed to keep updated with forthcoming
    post. Thanks a million and please continue the gratifying work.

Leave a Reply

Your email address will not be published.